محمد متولي الشعراوي

5888

تفسير الشعراوى

وقولهم هذا يتضمن الحديث عن ذواتهم والحديث عن الجن . ولسائل أن يسأل : وكيف يأخذ الجن كثيرا من الإنس ؟ ونقول : إن الحق سبحانه قد خلق الجن على هيئة تختلف عن هيئة الإنس ، فجعل للجن خواصّا تختلف عن خواصّ الإنس ، ومن هذه الخواص ما قال عنه الحق سبحانه : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ « 1 » مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ . . ( 27 ) [ الأعراف ] وأعطى الحق سبحانه للجن قوة أكثر مما أعطى للإنس ، وأعطاهم القدرة على النفاذ من السواتر الحديدية والجدران وغيرها ، وهذا أمر منطقي مع أصل تكوين الجن ، فالجن مخلوق من النار ، والإنسان مخلوق من الطين . وهناك اختلاف بين طبيعة كل من النار والطين ، فما يخرج من الطين قارّ « 2 » ، أي : لا يشع ، وما يخرج من النار له إشعاع وحرارة . بمعنى : أنك لو كنت تجلس في حجرة ، وخلف ظهرك في الحجرة الأخرى نار موقدة ؛ فالساتر - أيا كان - سوف يحمل لك بعضا من حرارة النار ، إلا لو كان عازلا للحرارة . أما لو كانت هناك تفاحة - وهي مخلوقة من الطين - موجودة في الحجرة الأخرى ، فلن ينفذ طعمها أو رائحتها إليك . إذن : فالنار لها قانونها ، والطين له قانونه . وقانون المادة المخلوقة من الطين لا ينتقل إلا إذا نقلت الجرم « 3 » إلى المكان الذي توجد فيه .

--> ( 1 ) القبيل : الجماعة من الناس يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتّى ، كالعرب ، والروم ، والزنج ، وقد يكونون من نحو واحد ، وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة . وكل جيل من الجن والناس قبيل . قال تعالى : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ( 92 ) [ الإسراء ] . [ اللسان : مادة ( قبل ) ] . ( 2 ) قار : أي : مستقر في مكانه لا ينتقل منه شئ إلا إذا نقلته أنت . يقال : فلان قارّ ، أي : ساكن ثابت . ( اللسان : مادة قرر ) . ( 3 ) الجرم : الجسم . والجمع ( الأجرام ) .